سيد قطب
97
في ظلال القرآن
سمي بعضها بأسماء ولكنه لم يحدد كنهها ولا طرائقها ! . . هذا « التيليپاثي » - التخاطر عن بعد - ما هو ؟ وكيف يتم ؟ كيف يملك إنسان أن يدعو إنسانا على أبعاد وفواصل لا يصل إليها صوت الإنسان في العادة ولا بصره ، فيتلقى عنه ، دون أن تقف بينهما الفواصل والأبعاد ؟ وهذا التنويم المغنطيسي ما هو وكيف يتم ؟ كيف يقع أن تسيطر إرادة على إرادة ، وأن يتصل فكر بفكر ، فإذا أحدهما يوحي إلى الآخر ، وإذا أحدهما يتلقى عن الآخر ، كأنما يقرأ من كتاب مفتوح ؟ إن كل ما استطاع العلم أن يقوله إلى اليوم في هذه القوى التي اعترف بها ، هو أن أعطاها أسماء ! ولكنه لم يقل قط : ما هي ؟ ولم يقل قط كيف تتم ؟ وثمة أمور كثيرة أخرى يماري فيها العلم . إما لأنه لم يجمع منها مشاهدات كافية للاعتراف بها ؛ وإما لأنه لم يهتد إلى وسيلة تدخلها في نطاق تجاربه . هذه الأحلام التنبئية - وفرويد الذي يحاول إنكار كل قوة روحية لم يستطع إنكار وجودها - كيف أرى رؤيا عن مستقبل مجهول ، ثم إذا هذه النبوءة تصدق في الواقع بعد حين ؟ وهذه الأحاسيس الخفية التي ليس لها اسم بعد . كيف أحس أن أمرا ما سيحدث بعد قليل أو أن شخصا ما قادم بعد قليل ؛ ثم يحدث ما توقعت على نحو من الأنحاء ! إنه من المكابرة في الواقع أن يقف إنسان لينفي ببساطة مثل هذه القوى المجهولة في الكائن البشري ، لمجرد أن العلم لم يهتد بعد إلى وسيلة يجرب بها هذه القوى . وليس معنى هذا هو التسليم بكل خرافة ، والجري وراء كل أسطورة . . إنما الأسلم والأحوط أن يقف العقل الإنساني أمام هذه المجاهيل موقفا مرنا . . لا ينفي على الإطلاق ولا يثبت على الإطلاق ، حتى يتمكن بوسائله المتاحة له بعد ارتقاء هذه الوسائل من إدراك ما يعجز الآن عن إدراكه ؛ أو يسلم بأن في الأمر شيئا فوق طاقته ، ويعرف حدوده ، ويحسب للمجهول في هذا الكون حسابه . . السحر من قبيل هذه الأمور . وتعليم الشياطين للناس من قبيل هذه الأمور . وقد تكون صورة من صوره : القدرة على الإيحاء والتأثير ، إما في الحواس والأفكار ، وإما في الأشياء والأجسام . . وإن كان السحر الذي ذكر القرآن وقوعه من سحرة فرعون كان مجرد تخييل لا حقيقة له : « فخيل إليه من سحر هم أنها تسعى » - ولا مانع أن يكون مثل هذا التأثير وسيلة للتفريق بين المرء وزوجه ، وبين الصديق وصديقه . فالانفعالات تنشأ من التأثرات . وإن كانت الوسائل والآثار ، والأسباب والمسببات ، لا تقع كلها إلا بإذن اللّه ، على النحو الذي أسلفنا . أما من هما الملكان : هاروت وماروت ؟ ومتى كانا ببابل ؟ فإن قصتهما كانت متعارفة بين اليهود . بدليل أنهم لم يكذبوا هذه الإشارة ولم يعترضوا عليها . وقد وردت في القرآن الكريم إشارات مجملة لبعض الأحداث التي كانت معروفة عند المخاطبين بها ؛ وكان في ذلك الإجمال كفاية لأداء الغرض ، ولم يكن هنالك ما يدعو إلى تفصيل أكثر . لأن هذا التفصيل ليس هو المقصود . ولا أحب أن نجري نحن - في ظلال القرآن - خلف الأساطير الكثيرة التي وردت حول قصة الملكين . فليست هنالك رواية واحدة محققة يوثق بها . ولقد مضى في تاريخ البشرية من الآيات والابتلاءات ما يناسب حالتها وإدراكها في كل طور من أطوارها . فإذا جاء الاختيار في صورة ملكين - أو في صورة رجلين طيبين كالملائكة - فليس هذا غريبا ولا شاذا بالقياس إلى شتى الصور وشتى الابتلاءات الخارقة ، التي مرت بها البشرية ، وهي تحبو ، وهي تخطو ، وهي تقفو